رَمَوا أمّهم في الشارع… فهل بقي فينا خير؟

في فيديو انتشر كالنار في الهشيم، شاهد الناس مشهدًا لا يكاد يُصدق.
امرأة طاعنة في السن، نحيلة، عاجزة عن النهوض أو حتى الحركة، حملها أهلها على فرشتها وألقوها خارج المنزل في الشارع… بلا حماية، بلا مرافقة، بلا رحمة.

رأى أحد المارة هذا المشهد فقام بتصويره ونشره على الإنترنت.
الأمّ ساكنة على فراشها، لا حول لها ولا قوة، ملقاة بجانب الرصيف، وأمام المارة.
لا أحد يدافع عنها، ولا أحد من أبنائها يُظهر أدنى ندم… وكأنها قطعة أثاث انتهت مدة صلاحيتها.

هل وصلنا فعلًا إلى هذه الدرجة من القسوة؟
ألهذا الحد أصبحت الأم عبئًا يُراد التخلص منه؟
ولكن أين ذهبت العشرة، والحليب، والسهر، والتربية، والركض خلف الطبيب؟
أين ذهب صوت الأم وهي تقول: «كل اللقمة تاكُلها وأنت شبعيان، بس ما توجع قلبي»؟


الإهانة الصامتة… من الألم إلى الغضب

الإهانة الصامتة… من الألم إلى الغضب

ما يجعل هذا المشهد قاسيًا ليس فقط الصورة، بل الصمت.

  • لم تعد الأم قادرة على الاعتراض.

  • أما الجيران، فاكتفوا بالنظر وكأن الأمر لا يعنيهم.

  • بينما أنهى الأبناء المشهد وكأنه قرار منزلي لا يحتاج نقاشًا.

تخيل أن تُكرّس الأم حياتها في التربية والتضحية، ثم يجازيها أبناؤها بهذا الشكل المهين.
أن تكون ملاذهم في الصغر، ثم تكون «مشكلة» في كِبرك.
أن تُطرد لا لأنك أجرمت، بل لأنك أصبحت عجوزًا، مريضًا، تحتاج للمساعدة.

ما حدث لهذه المرأة، يحدث يوميًا بصور أخرى:

  • هناك من يترك أمّه في دار العجزة دون زيارة،

  • وآخرون يمنعونها من الدواء بحجة التكاليف،

  • في حين يُهينها البعض بالكلام الجارح ويسكتونها بالقسوة.

  • أم يعمد بعض الأبناء إلى حبس أمهاتهم في غرف بعيدة حتى لا يسمع الضيوف أصواتهن.

وكل هذه الصور تمثل عقوقًا، حتى لو حاول البعض تغطيتها بثوب الأعذار.

ماذا قال الدين عن بر الوالدين؟

الإسلام لم يترك الأمر للتقدير الشخصي، بل جعل برّ الوالدين فريضة، وعقوقهما من الكبائر.

قال الله تعالى:

“وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا”
[الإسراء: 23]

تأمل:

  • قال “عندك”: أي يجب أن يكونوا في رعايتك، لا مرميّين عند غيرك.

  • قال “أحدهما أو كلاهما”: أي يكفي واحد فقط لتحمل هذه المسؤولية.

  • قال “فلا تقل لهما أف”: فكيف بمن يرمي أمه على الرصيف؟

🕊️ حديث النبي ﷺ:

“رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة.”
[رواه مسلم]

أدركت والدتك العجوز؟ فهنيئًا لك بابًا من أبواب الجنة.
لكن إن أغلقت هذا الباب بنفسك… فمن يفتحه لك؟

عقوق الوالدين… ذنب لا يُحتمل في الدنيا والآخرة

العقوق ليس مجرد “قلة ذوق” أو “سوء تصرف”، بل هو من أعظم الكبائر، وقد شدد الإسلام على خطورته، بل قرنه بالشرك بالله في أكثر من موضع.

قال النبي ﷺ:

“ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين…”
[متفق عليه]

وفي رواية أخرى:

“ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجّلة، والديوث…”
[رواه النسائي]

تأمل كم هو عظيم الوعيد!
أن يُحرم العاقّ من نظر الله إليه، وهو أحوج ما يكون إلى رحمته يوم القيامة.
يُهمله الله، ويتجاهله الناس، ويُقال له بوضوح: تركت أمك، فاليوم نتركك.

ومن آثار العقوق في الدنيا:

  • ضيق الرزق: “من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه” – [رواه البخاري]

  • ضياع البركة في الصحة والبيت والعمل

  • سوء الخاتمة (والعياذ بالله)

  • الخذلان في الذرية: “كما تدين تدان”

من رمى أمّه، فلينتظر يومًا يُرمى فيه، إن لم يكن في الشارع، فربما في قلوب أولاده.


تحليل نفسي واجتماعي للعقوق المعاصر

قد يتساءل البعض: كيف نصل إلى هذا النوع من العقوق؟ كيف يُمكن لابن أو بنت أن يُفكر حتى في رمي والدته من حياته؟

الجواب ليس واحدًا، بل مزيج من عوامل نفسية، اجتماعية، وتربوية:

🔸 1. الأنانية المفرطة

جيل تربّى على مفهوم “أنا أولًا”، “راحتي فوق كل شيء”، دون أن يُزرع فيه معنى التضحية والعطاء.

🔸 2. غياب التربية الدينية الحقيقية

حين تُصبح الصلاة عادة دون فقه، والقرآن ديكورًا لا هدى، والحديث عن الجنة والنار مجرد قصص… يغيب عن الأبناء أن عقوق الأم طريق إلى الجحيم.

🔸 3. تفكك الروابط الأسرية

من ناحية أخرى، في البيوت التي تغيب فيها العاطفة، تصبح المشاعر باردة، والعلاقات سطحية، فيسهل العقوق.

🔸 4. ضغط الحياة المادي

نعم، الظروف الاقتصادية قد تُرهق الأبناء، لكن، بالرغم من صعوبة الفقر، هل يُعدّ مبررًا للإهانة؟
من ناحية أخرى، هل من المنطقي أن نُقيم البرّ على ميزان الدخل، والرحمة على عدد الفواتير؟

💬 رسالة: العجز ليس جريمة

إذا كانت الأم طريحة الفراش، فليست جريمتها أنها ضعفت.
بل هذا الضعف هو اختبار لنا نحن: هل سنكون مثلما كانت هي حين كنا نمرض؟ هل سنرد الجميل؟ أم سنهرب من مسؤوليتنا ونختبئ خلف الأعذار؟


مسؤولية المجتمع أمام مشهد كهذا

ليس الذنب فقط على الأبناء، بل على كل من:

  • رأى ولم يُنكر

  • مرّ بجانبها ولم يُسعف

  • صوّر ولم يتحرك

  • برر أو خفّف من وقع الجريمة

الإسلام يُحمّل المجتمع مسؤولية الحماية، والتراحم، والنصح، والأمر بالمعروف.

قال ﷺ:

“من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه… وذلك أضعف الإيمان.”

فأين الأيدي؟ أين الألسنة؟ بل أين القلوب؟
لو كانت هذه أمّك، هل كنت ستقف وتتفرج؟ إذًا، لماذا قبلت أن تتفرج على أمّ غيرك؟.

البرّ… ليس خيارًا بل واجب مدى الحياة

البرّ بالوالدين لا ينتهي حين نكبر، ولا يتوقف حين نُصبح “مسؤولين عن بيوتنا”، بل هو واجب مستمر حتى بعد وفاتهما.

ولعل أعظم صور البرّ حين يبلغان الكِبَر، ويشتدّ عليهما المرض والضعف، وتذبل قواهما… فذلك هو الامتحان الحقيقي.

واجبات الأبناء تجاه أمهم العجوز (خاصة في حال العجز أو المرض):

  1. النفقة الكاملة: من مأكل، ودواء، ولباس، وسكن محترم.

  2. الرعاية الشخصية: لا يُترك الأمر للخدم فقط، بل يُشارك الأبناء بأنفسهم.

  3. الحنان والتواصل: زيارة، مكالمة، جلسة على السرير… هذه لا تُعوض.

  4. الدعاء لها والقيام على خدمتها بحب.

  5. الدفاع عنها أمام الآخرين، حتى لو كانت تصرفاتها غير مفهومة.

  6. عدم التبرم أو الضجر من طلباتها، بل احتساب الأجر فيها.

🕊️ البر ليس في الكلمة فقط… بل في “التحمل والصبر”

  • حين كانت تُغير لك حفاضك، لم تكن تتذمر.

  • حين مرضتَ، كانت تبكي وتتوسل ألا يُصيبك أذى.

  • حين أخطأتَ، كانت تُدافع عنك وتستر عليك.

فهل من العدل أن تُجازى بالإهمال والتجريح في كبرها؟

البرّ بعد الوفاة: لمن لا تزال له أم تحت التراب

حتى لو كانت أمّك قد رحلت، فإن برّها لا ينتهي:

  • الدعاء لها صباحًا ومساءً

  • الصدقة عنها: بئر، وقف، إطعام

  • صلة رحمها: إخوتها، صديقاتها

  • تنفيذ وصاياها

قال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله، هل بقي من برّ أبويّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟
قال: “نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما، وإكرام صديقهما.”
[رواه أبو داود]

البرّ لا يُضيع… والله لا ينسى

قد لا يقول الناس لك “بارّ بأهلك”، لكن الله يعلم
قد لا ترَ ثمرة برّك فورًا، لكن الله يُخبئ لك خيرًا كثيرًا

قال النبي ﷺ:

“من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه.”
[رواه البخاري]

البرّ يجلب:

  • رضا الله

  • بركة العمر

  • حسن الخاتمة

  • أبناء بارّين بك

  • صفاء النفس

وكل هذا… يبدأ من احترامك لوالديك، وخدمتك لهم، والرحمة التي تُعاملهم بها.

لا تُبرر العقوق… ولا تُبرر الصمت

بعض الناس يقول: “يمكن الأبناء عندهم ظروف”
أو “يمكن الأم صعبة وعنيفة”
أو “ما نعرف القصة الكاملة”

نقول:

مهما كانت القصة… لا يوجد سيناريو يُبرر رمي الأم في الشارع.

  • وإذا وُجد خلاف – لا قدر الله – فهناك القضاء لحلّه.

  • هل في ضغط؟ هناك مساعدة أهل الخير.

  • هل الأم مُتعبة؟ هذا واجب، لا ترف.

وحتى إن لم تستطع أن تبرّ، فلا تعقّ
وإن لم تقدر على الإحسان، فلا تظلم
وإن لم تُعطِ، فلا تؤذِ

رسالة لمن لا زال له أمّ على قيد الحياة

إن كانت أمّك لا تزال على قيد الحياة… فامسك يدها الآن.
قبّل رأسها الآن.
اطلب رضاها قبل أن تندم.

كم من ابن فقد أمه وتمنى لو سمع صوتها؟
كم من بنت تأخرت في زيارة والدتها فسبقها الموت؟
لهذا السبب، تجد العاقّ يبكي أمام القبر، لكن بعد فوات الأوان.

الخاتمة: مشهد السقوط الأخلاقي… أمّ في الشارع وقلوب ميتة

ما شاهدناه في الفيديو ليس فقط جريمة في حق أم، بل عار على مجتمع، ووصمة في جبين الإنسانية.

  • من رمى أمّه… فقد رمى جنة كانت تنتظره.

  • من شاهد وسكت… فقد سقط في اختبار الرحمة.

  • من برّ والدته… فهو في رعاية الله ما دام حيًا.

قال ﷺ:

“استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن أمهاتكم، وأخواتكم، وبناتكم.”

وإذا كانت الأم هي كل هذا، فكيف نُهينها؟
إذا كانت الجنة تحت قدميها… فكيف نتركها على الرصيف؟


شارك هذا المقال… لعل قلبًا يفيق، ولعل أمًا تُكرم بعدما أهينت

البرّ حياة… والعقوق هلاك
ولا زال في الوقت متسع… لمن يريد أن يُغيّر.

1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى